المقريزي

106

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

علو في منخرق بين جبلين ، يقال لهما : الجنادل وينبطح في الأرض حتى يصب في البحر ، فاتساعه حيث لا يجد حاجزا يحجزه عن الانبساط . وأما قوله : إن الأسداد إذا كثرت فاض الماء على الأرض دفعة فليس كذلك ؟ بل يصير الماء عند كسر كل سدّ من الأسداد في خليج ، ثم يفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلى ما على جانبه من الأراضي حتى يروى . فمن تلك الأراضي ما يروى سريعا ، ومنها ما يروى بعد أيام ، ومنها ما لا يروى لعلوّه . وأما قوله : إن جميع تلك المشارب تستدّ عند ابتداء صعود النيل ليجتمع ما يسيل من الماء في النيل ، ويكثر فيعم جميع أرضهم ، ويمنع بجملته دخول الماء الملح عليه ، فغير مسلّم أن تكون السداد كما ذكر . بل أراضي مصر أقسام كثيرة منها : عال لا يصل إليه الماء إلا من زيادة كثيرة ، ومنها : منخفض يروى من يسير الزيادة والأراضي متفاوتة في الارتفاع والانخفاض تفاوتا كثيرا . ولذلك احتيج في بلاد الصعيد إلى حفر الترع . وفي أسفل الأرض إلى عمل الجسور حتى يحبس الماء ليروي أهل النواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج . وإلا فهو يزيد أولا في غير سقي الأراضي حتى إذا اجتمع من زيادته المقدار الذي هو كفاية الأراضي في وقت خلوّ الأراضي من الغلال . وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى فتح سدّ الخليج حتى يجري فيه الماء إلى حدّ معلوم ، ووقف حتى يروي ما تحت ذلك الحدّ الذي وقف عنده الماء من الأرض . ثم فتح ذلك الحدّ في يوم النيروز « 1 » حتى يجري إلى حدّ آخر ، ويقف عنده حتى يروي ما تحت هذا الحدّ الثاني من الأراضي ، ثم يفتح هذا الحدّ في يوم عيد « 2 » الصليب بعد النوروز بسبعة عشر يوما حتى يجري الماء ، ويقف على حدّ ثالث حتى يروي ما تحت هذا الحدّ من الأراضي ، ثم يفتح هذا الحدّ فيجري الماء ، ويروي ما هنالك من الأراضي ، ويصب في البحر الملح . هذا هو الحال في سدود أراضي مصر وقوله : إن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في حلق رشيد وتنيس ودمياط فلو كان خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع فنقول : هذا قول من لم يعرف أرض مصر ، فإن النيل عند مصبه بأعالي أسوان يكون أعلى منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة . فإذا فاض ماء البحر حبسه أن يتدافع هو وماء النيل ، وربما غلب ماء البحر ماء النيل في أيام نقصان النيل حتى يملح ماء النيل فيما بين دمياط وفارس كور . وأما في أيام زيادة النيل ، فإني شاهدت مصب النيل في البحر من دمياط وكل منهما يدافع الآخر فلا يطيقه حتى صارا متمانعين عبرة لمن اعتبر . وقوله : إن الأسداد إذا فتحت

--> ( 1 ) النيروز : عند القبط هو أول شهر توت ( أيلول ) . ( 2 ) الصليب : عند القبط في السادس عشر من توت .